عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
169
اللباب في علوم الكتاب
فصل في شبهة للكفار ذكروا في قوله : « ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ » قولين : الأول : أن الكفّار طعنوا في إيمان أولئك الفقراء ، وقالوا : يا محمد إنهم [ إنما ] « 1 » اجتمعوا عندك ، وقبلوا دينك ؛ لأنهم يجدون بهذا السبب مأكولا وملبوسا عندك ، وإلّا فهم فارغون عن دينك ، فقال اللّه تعالى : إن كان الأمر على ما يقول هؤلاء ، فما يلزمك إلّا اعتبار الظّاهر ، وإن كان باطنهم غير مرض عند اللّه ، فحسابهم عليه لازم لهم لا يتعدّى إليك ، كما أنّ حسابك عليك لا يتعدّى إليهم ، كقوله : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [ الأنعام : 164 ] . الثاني : المعنى : ما عليك من حساب رزقهم من شيء فتملّهم وتطردهم ، فتكون من الظالمين لهم ؛ لأنهم لمّا استوجبوا مزيد التقريب كان طردهم ظلما لهم « 2 » . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 53 ] وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ( 53 ) « الكاف » في محلّ نصب على أنها نعت لمصدر محذوف ، والتقدير : ومثل ذلك الفتون المتقدم الذي فهم من سياق أخبار الأمم الماضية فتنّا بعض هذه الأمّة ببعض ، فالإشارة بذلك إلى الفتون المدلول عليه بقوله : « فتنّا » ، ولذلك قال الزمخشري « 3 » : ومثل ذلك الفتن العظيم فتن بعض الناس ببعض فجعل الإشارة لمصدر فتنّا . وانظر كيف لم يتلّفظ هو بإسناد الفتنة إلى اللّه - تعالى - في كلامه ، وإن كان البارىء - تعالى - قد أسندها ، بل قال : فتن بعض الناس فبناه للمفعول على قاعدة المعتزلة . وجعل ابن « 4 » عطية الإشارة إلى طلب الطّرد ، فإنه قال بعد كلام يتعلّق بالتفسير : « والإشارة بذلك إلى ما ذكر من طلبهم أن يطرد الضّعفة » . قال أبو حيّان « 5 » : ولا ينتظم هذا التّشبيه ؛ إذ يصير التقدير : مثل طلب الطرد فتنّا بعضهم ببعض والمتبادر إلى الذّهن من قولك : « ضربت مثل ذلك » المماثلة في الضرب ، أي : مثل ذلك الضرب لا أن تقع المماثلة في غير الضّرب ، وقد تقدّم مرارا أن سيبويه « 6 » يجعل مثل ذلك حالا من ضمير المصدر المقدر . قوله : « ليقولوا » في هذه « اللام » وجهان : أظهرهما : - وعليه أكثر المعربين والمفسّرين - أنها لام « كي » ، والتقدير : ومثل
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) ينظر : الرازي 12 / 195 - 196 . ( 3 ) ينظر : الكشاف 2 / 28 . ( 4 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 296 . ( 5 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 142 . ( 6 ) ينظر : الكتاب 1 / 116 .